سيد محمد طنطاوي
125
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
بعضهم أنه ابن اللَّه ، وزعم فريق آخر أنه ثالث ثلاثة وافترى عليه اليهود وعلى أمه مريم البتول المفتريات التي برأهما اللَّه - تعالى - منها . أما الذين آمنوا فقد قالوا في عيسى وأمه قولا كريما ، ولذلك كافأهم اللَّه - تعالى - وبينت يستحقون من ثواب . وبذلك تكون الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا من فضائل عيسى - عليه السّلام - وبينت للناس جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين حتى يثوبوا إلى رشدهم ويسلكوا الطريق القويم . وبعد أن حكى اللَّه - تعالى - في الآيات السابقة ولادة عيسى - عليه السّلام - وما أجراه على يديه من معجزات ، وما أكرمه به من مكرمات ، وكيف كان موقف بني إسرائيل منه ، وكيف أبطل اللَّه مكرهم وخيب سعيهم ، إذ رفعه إليه وطهره من أقوالهم الباطلة وأفعالهم الأثيمة وتوعد أعداءه بالعذاب الشديد ووعد أتباعه بالثواب الجزيل . . بعد أن حكى القرآن كل ذلك ختم حديثه عن عيسى - عليه السّلام - ببيان حقيقة تكوينه ، وبإزالة وجه الغرابة في ولادته ، وبتلقين النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الرد الصحيح على كل مجادل في شأن عيسى - عليه السّلام - استمع إلى القرآن وهو يصور كل ذلك بأسلوبه المعجز فيقول : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 58 إلى 63 ] ذلِكَ نَتْلُوه عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الْحَكِيمِ ( 58 ) إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّه كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَه مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَه كُنْ فَيَكُونُ ( 59 ) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 60 ) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيه مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وأَبْناءَكُمْ ونِساءَنا ونِساءَكُمْ وأَنْفُسَنا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّه عَلَى الْكاذِبِينَ ( 61 ) إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وما مِنْ إِله إِلَّا اللَّه وإِنَّ اللَّه لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 62 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّه عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ( 63 )